عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
462
اللباب في علوم الكتاب
وقال أبو حنيفة - رضي اللّه عنه : لا يجوز . واحتج الشافعي - رضي اللّه عنه - بأنه - عليه الصلاة والسلام - أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره ب « مكة » غيلة إن قدر عليه ، وهذا في الوقت الذي كانت « مكة » فيه محرمة ، وذلك يدل أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه ، وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها . واحتج أبو حنيفة - رحمه اللّه - بهذه الآية . والجواب عنه أن قوله : « وَأَمْناً » ليس فيه بيان أنه جعله آمنا في ماذا ؟ فيمكن أن يكون آمنا من القحط ، وأن يكون آمنا من نصب الحروب ، وأن يكون آمنا من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل ، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى ؛ لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر ، وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك ، فكان قول الشّافعي رحمه اللّه أولى . قول تعالى : « وَاتَّخِذُوا » قرأ نافع وابن عامر : « واتّخذوا » فعلا ماضيا على لفظ الخبر ، والباقون على لفظ الأمر . فأما قراءة الخبر ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه معطوف على « جعلنا » المخفوض ب « إذ » تقديرا ، فيكون الكلام جملة واحدة . الثاني : أنه معطوف على مجموع قوله : « وَإِذْ جَعَلْنَا » فيحتاج إلى تقدير « إذ » أي : وإذ اتّخذوا ، ويكون الكلام جملتين . الثالث : ذكره أبو البقاء أن يكون معطوفا على محذوف تقديره : فثابوا واتخذوا . وأما قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه : أحدها : أنها عطف على « اذكروا » إذا قيل بأن الخطاب هنا لبني إسرائيل ، أي : اذكروا نعمتي واتخذوا . والثاني : أنها عطف على الأمر الذي تضمنه قوله : « مَثابَةً » ، كأنه قال : ثوبوا واتخذوا ، ذكر هذين الوجهين المهدوي . الثالث : أنه مفعول لقول محذوف ، أي : وقلنا : اتخذوا ، إن قيل بأن الخطاب لإبراهيم وذريته ، أو لمحمد عليه الصلاة والسلام وأمته . الرابع : أن يكون مستأنفا ذكره أبو البقاء . قوله تعالى : « مِنْ مَقامِ » في « من » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها تبعيضية ، وهذا هو الظاهر . الثاني : أنها بمعنى « في » . الثالث : أنها زائدة على قول الأخفش ، وليس بشيء .